|
تتلازم صناعة السياحة مع الأمن والأمان والحرية بمفهومها الواسع وخاصة حرية الحركة، فطبيعة هذا النشاط الحيوي تتناقض بالكامل مع مفهوم الإحتلال كواقع تعسفي، يفرض عنوة على الشعوب ويحد من الحريات بل يصادرها.
لقد ورثت السلطة الوطنية الفلسطينية قطاعا سياحيا يعاني من بنى تحتية مدمرة طيلة سنوات الإحتلال الذي لم يسمح بتطور هذا القطاع ، وعمد إلى طمس الشخصية العربية المسيحية والإسلامية لحساب تهويد شخصية القدس وفلسطين كلها من خلال تزوير شخصها وتاريخها ، وقد أدركت السلطة الوطنية الفلسطينية منذ توليها مهامها أهمية هذا القطاع وحجم المسؤوليات المترتبة عليها للنهوض به ، فأولته اهتماما خاصا.
ورغم إمكانياتها المحدودة إلا أنها عملت بشكل دؤوب على تطوير البنية التحتية المدمرة . كذلك انعكس هذا الإهتمام في كافة سياساتها ، بما في ذلك قناعتها بالدور الرئيسي للقطاع الخاص واعتماده شريكا حتى في التخطيط ورسم السياسات. وفعلا فقد نما هذا القطاع بشكل تصاعدي حتى عام 2000، بحيث شكلت الصناعة السياحية ما يقارب 10% من مجمل الدخل القومي . إلا أن الهجمة الإسرائيلية الشرسة على شعبنا ومقدراته وانجازاته، والتي استمرت منذ سبتمبر عام 2000 حتى اليوم،قد ألحقت أضرارا بالغة بكل تفاصيل حياة الشعب الفلسطيني. وحيث أن قطاع السياحة يعتبر من أكثر القطاعات الإقتصادية حساسية للظروف السياسية فقد كان الأكثر تضررا . وعلى الرغم من هذه الهجمة ، ورغم الظروف الحالية الصعبة التي يواجهها قطاع السياحة إلا أننا على ثقة بأن الإمكانيات الكامنة لهذا القطاع تعتبر مبشرة حيث اظهرت احصاءات النشاط السياحي للربع الاول من العام الحالي 2008 ارتفاعا ملحوظا في مؤشرات النشاط الفندقي مقارنة مع بيانات الربع الاول من العام الماضي 2007 بنسبة ارتفاع 76% بعدد النزلاء و بنسبة ارتفاع 96% بعدد ليالي المبيت وبنسبة 117% باشغال الغرف مما يؤشر الى بداية انحسار التراجع في مؤشرات النشاط الفندقي منذ عام 2000 . فلن يستطيع أي تعسف أو جدار أن يسلب من فلسطين حقيقة أنها القلب النابض للزخم الديني والتاريخي لهذه المنطقة او ان يسلبها هذا التنوع المناخي في بقعة جغرافية صغيرة بحجم فلسطين التي تكاد تنفرد بهذه الصفة ، إضافة الى التنوع التضاريسي وكنوز التراث الثقافي التي تعتبر كلها طاقة كامنة ومقومات جذب سياحي من الدرجة الأولى .
لقد شهدت السنوات الأخيرة من القرن الماضي إزدهارا ملحوظا في تطوير صناعة السياحة على مستوى العالم ، فبلغ عدد السياح حوالي 850 مليون سائح عام 2007 ومن المتوقع أن يصل إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم بحلول عام 2020 ، إضافة إلى ما شهده العالم من مشاريع سياحية عملاقة تنوعت أشكالها بتنوع أنماط السياحة وطبيعة مواقعها وما رافقها من استثمارات هائلة في البنيتين التحتية والفوقية، لتسهيل قيام صناعة سياحية متطورة ومستدامة. وهذا يؤكد قناعتنا بأن النظرة التنموية بأبعادها الإستراتيجية والإدارية تتطلب إيلاء صناعتنا السياحية اهتماما اكبر من جانب حكومتنا من خلال توفير الميزانيات المطلوبة التشغيلية والتطويرية لوزارة السياحة والآثار وتقديم الدعم لها لتطوير دورها ، واهتماما أكبر من القطاع الخاص ، بما يمنح هذه الصناعة القدرة على المنافسة والمساهمة في رفد الدخل القومي وتوفير فرص عمل حقيقية ، فضلا عن الدور الحضاري الذي يجب أن تلعبه في تأمين أرقى أشكال التواصل والتفاعل بين ثقافات الشعوب المختلفة.
كما أن فلسطين تتميز بتراث ثقافي غني ومتنوع ، فلا تكاد تخلو منه بقعة من الأراضي الفلسطينية ، لتصح عليها مقولة : -" حيث نضع أقدامنا فنحن انما نمشي على التاريخ " . فالتاريخ الثقافي في فلسطين يعود الى ما يزيد على المليون ونصف سنة . وبالرغم من صغر مساحة فلسطين ، الا أنها شهدت وبقدر كبير اهم التطورات في تاريخ التراث الثقافي الإنساني . فقد شهدت تطور حياة الإنسان القديم مابين القارة الإفريقية وقارتي اسيا واوروبا. وشهدت البدايات المبكرة للإستقرار السكاني قبل عشرين الف سنة ، وفيها ظهرت المجتمعات الزراعية الأولى في العالم كما في تل السلطان في مدينة اريحا ، وفي وادي النطوف في قرية شقبة قرب مدينة رام الله ، وغيرها من الحضارات اللاحقة المتنوعة التي شكلت وميزت العمارة التاريخية التقليدية في فلسطين والتي اصبحت من أهم عناصر مكونات الهوية الفلسطينية ومن ملامح حياة شعبنا وحضارته .
إن هذا التراث الذي ورثناه جيلا بعد جيل وصولا إلى يومنا هذا ، يعتبر بتنوعه ما بين مواقع اثرية وأبنية تاريخية ، ومعالم دينية وتراث طبيعي ، الى جانب الشفوي والغير مادي منه مصدرا مهما للتنمية في فلسطين ،يقع علينا واجب الحفاظ عليه وتطويره مع مراعاة مباديء التنمية المستدامة ، بحيث تخدم برامج الحفاظ على التراث أغراض بناء الهوية الفلسطينية والحفاظ عليها ، وتشكل أداة للتنمية الإجتماعية والاقتصادية في مجتمعنا الفلسطيني ، لخدمة كافة شرائحه وقطاعاته، وخاصة المهمشة منها ، وتطوير فلسطين كمقصد جذب سياحي يعتمد على هذا الزخم المتنوع من التراث الثقافي .
ورغم اهمية التراث الفلسطيني كجزء لا يتجزأ من التراث الإنساني ، الا انه لم يسلم من العبث والتخريب والتدمير والإهمال المتعمد من قبل الإحتلال الإسرائيلي . فعمليات سرقة الأثار المنظمة، والمصادرة والهدم والإحلال والتزوير ، والحفريات الأثرية المخالفة للمواثيق والقوانين والإتفاقيات الدولية التي تمنع المحتل من اجراء حفريات اثرية منظمة في الأراضي التي تحتلها كاتفاقية لاهاي عام 1954م التي تنظم حماية الممتلكات الثقافية اثناء النزاع المسلح ، وبرتوكولاتها الملحقة التي تنص بشكل واضح وصريح على ضرورة اخذ الإجراءات اللازمة لعدم الإضرار بالممتلكات الثقافية . الا أن الإحتلال الإسرائيلي كعادته تجاهل كل هذه المواثيق واتبع كافة الوسائل لتوظيف التراث الثقافي الفلسطيني سياسيا في خدمة أهدافه الإستيطانية والتوسعية ومحاولات تزوير التاريخ ، من أجل افراغ هذه الأراضي من تراثها المادي وغير المادي ، وسلخها عن تاريخها وهويتها.
وقد تمادى الإحتلال الإسرائيلي في سياسته هذه ، فاستهدف بإجراءاته التعسفيه الكثير من البلدات الفلسطينية ذات الأبنية التاريخية العريقة بالتدمير والتخريب . كما جرى و يجري في القدس عاصمة فلسطين وكما جرى بالبلدة القديمة في مدينة نابلس ، والبلدة القديمة في مدينة الخليل ، وما تم بحق كنيسة عابود ومواقع التراث في غزة وغيرها ، إضافة الى ما ألحقه جدار الفصل العنصري من آثار مدمرة على التراث الثقافي والطبيعي في فلسطين ، وعلى المشهد الحضاري فيها ، الأمر الذي يلقي مسؤولية كبيرة على عاتق المجتمع الدولي للعمل على وقف هذه التعديات وحماية التراث الثقافي الفلسطيني ، لما له من بعد انساني واخلاقي ، وانسجاما مع مسؤولياته في تطبيق قرارات الأسرة الدولية في انهاء الإحتلال والإستيطان وفرض تنفيذ الإتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية .
أمام كل هذه التحديات ، سارعت وزارة السياحة والآثار منذ تأسيسها في أواخر العام 1994 بالعمل على النهوض بصناعة السياحة في كافة المناطق والمواقع الفلسطينية ، حيث بدأت العمل في عدة اتجاهات استراتيجبة و منها:
-
المحافظة على الموروث الثقافي وحمايته من النهب واعمال السرقة وتنفيذ مشاريع الترميم وتهيئة المواقع في جميع محافظات الوطن من الشمال إلى الجنوب.
-
تطوير البنية التحتية السياحية.
§ تدريب الكفاءات البشرية العاملة بالسياحة وتطويرها.
-
تشجيع الاستثمار الوطني والخارجي لتطوير المرافق السياحية القائمة واقامة الجديد منها
.
-
ترخيص وتنظيم ومراقبة عمل المؤسسات والمرافق السياحية ضمن القوانين والأنظمة المرعية.
-
تطوير المنتج السياحي الفلسطيني وترويجه وتسويقه محليا و في الأسواق العالمية.
-
تنطيم وتطوير هيكلية عمل الوزارة وتاهيل كادر العاملين فيها والعاملين بالقطاع الخاص
.
-
التعاون مع القطاع الخاص وتقديم اشكال الدعم الممكن له لتنظيم هيئاته التمثيلية وصولا الى الشراكة معه في التخطيط ورسم الاستراتيجيات وخاصة في موضوع التسويق والترويج .
وكنتيجة لهذه الجهود ، نجحت الوزارة وفي فترة قصيرة أن تعيد فلسطين إلى خارطة السياحة العالمية ، كبلد جميل وفريد غني بالتراث الديني والثقافي والطبيعي ومعروف بشعبه المرحاب والمضياف. كما أصبحت فلسطين جزءاَ أساسياَ في البرامج السياحية التي تعرضها الشركات السياحية العالمية للأراضي المقدسة ، مما زاد في حصة فلسطين من السياحة الوافدة كما أصبحت الاقامة في الفنادق الفلسطينية أكثر وأطول مما أدى الى زيادة نسبة الانفاق في المناطق
الفلسطينية. وقد أكدت الإحصاءات ذلك ، حيث ازداد عدد السياح الوافدين الى المدن الفلسطينية في شهر ابريل عام 2008 حيث بلغ 306137 سائح مقارنة بعدد 208438 سائح لنفس الشهر من عام 2007 ، أي بنسة زيادة تقارب 32 % .
إن التصاعد والتطور في الصناعة السياحية كان من الممكن أن يكون اكبر لولا اجراءات وتدابير الأحتلال التي استهدفت ضرب البنية التحتية السياحية والقطاع السياحي الفلسطيني ومؤسساته ، والتي تمثلت في اغلاق المناطق الفلسطينية أمام الحركة السياحية ضارباً بعرض الحائط الاتفاقيات التي وقعها أمام المجتمع الدولي وأهمها اتفاقية باريس التي من المفترض أن توفر حرية الحركة السياحية في الاتجاهين بدون عراقيل وحواجز والتي ما زالت اسرائيل تتنكر لها وتماطل في تنفيذها حتى هذه اللحظة من خلال عدم جديتها لتناول هذا الامر في اجتماعات اللجنة الفلسطينية الاسرائيلية المشتركة للسياحة التي لم تجتمع سوى مرة واحدة منذ بداية هذا العام منذ بداية هذا العام 2008 ، واستمرار سيطرتها على المعابر الفلسطينية ومنع اصدار تاشيرات الدخول للسائحين من الدول العربية لتحول دون تنفيذ مشاريع السياحة البينية ، وتوجت هذه الممارسات الاسرائيلية اخيرا ببناء جدار الفصل العنصري الذي يهدف الى تحويل فلسطين الى كنتونات مغلقة ، وزادت عدد الحواجز العسكرية لتصل الى اكثر من 607 حاجز، وعزلت أكثر من 47 منطقة جغرافية بفلسطين بحسب تقرير مكتب هيئة الامم المتحدة لحقوق الانسان الصادر بتاريخ 24/5/2008 مما يحول دون امكانيات تطوير السياحة الداخلية ، اضافة الى فصل قطاع غزة على اثر حصاره من قبل الاحتلال وتنفيذ الاتقلاب المشؤوم ضد الشرعية الفلسطينية فيه ، مما حال دون امكانية تطوره وقيام الوزارة بمسؤولياتها هناك او حتى تواصلها مع كادر موظفيها الذين منعوا من الدوام في مقر الوزارة بغزه على اثر اقدام الانقلابين عل اغلاق مقر الوزاره في مدينة غزة .
وكنتيجة لهذه السياسات والإجراءات المستمرة ، فقد تعرض هذا القطاع الى تراجع حاد في السنوات الماضية حتى بدايات هذا العام، وتحمل خسائر باهظة ، حيث بلغ حجم الخسائر المباشرة في القطاع السياحي حوالي 100 مليون دولار أمريكي وبلغ حجم الخسائر غير المباشرة من العائدات السياحية حوالي 1.5 بليون دولار منذ عام 2001 حتى اوائل عام 2007، وارتفعت نسبة البطالة الى 80% وتوقفت الاستثمارات في هذا القطاع اضافة الى فقدان بعض الموارد البشرية وتراجع مهاراتها ، حتى بدات مظاهر الانتعاش النسبي تعود اليه منذ بداية العام الحالي كما اشرنا الى ذلك وفق دلائل المؤشرات الاحصائية المذكورة على اثر النجاحات النسبية لسياسة الحكومة بفرض الامن والنظام رغم محاولات الاحتلال عرقلتها وافشالها ونجاحات الوزارة في اقناع عدد من الدول الاوروبية الصديقة برفع الحظر عن زيارة مواطنيها الى فلسطين .
بالرغم مما تقدم ومن المعيقات التي تقف في وجه تطوير الصناعة السياحية في فلسطين ، تبقى هذه الصناعة قابلة للنمو السريع إذا ما زالت تلك المعيقات الناجمة أصلاً عن استمرار الأحتلال واجراءاته التعسفية ، واعطيت الأهتمام الحكومي اللازم ، وبادر القطاع الخاص الى زيادة استثماراته في هذه الصناعة دون تردد حيث أن السياحة هي احدى الصناعات العريقة في فلسطين التي كتب لها النجاح حيثما توفرت الظروف والبيئة المناسبة لتساهم في
:
-
زيادة النشاط الأقتصادي ومستوى دخل الفرد الفلسطيني ورفاهيته.
-
خلق موارد مالية وفوائد اقتصادية ذات جدوى للحكومة
.
-
خلق فرص عمل جديدة وخاصة في المناطق المهمشة من الريف الفلسطيني
.
-
المساهمة في التطوير الحضري والثقافي والعمراني نتيجة الأستثمارات الجديدة والحفاظ على التراث وانجاز اعمال الترميم
.
-
زيادة مستوى التعريف بالثقافة الفلسطينية وعدالة قضيتنا الوطنية والتعرف على ثقافات الشعوب المختلفة.
-
حماية كنوز التراث الفلسطيني من اعمال النهب والنبش والسرقة .
وحينها ستكون تحديات اليوم هي فرص الغد في تطوير السياحة والحفاظ على التراث الثقافي وتطويره في فلسطين وصولا الى تحقيق اهداف شعبنا في دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
|